عبد القادر الجيلاني

64

فتوح الغيب

المقالة السّادسة في الفناء عن الخلق افن عن الخلق بحكم « 1 » اللّه تعالى ، وعن هواك بأمر اللّه تعالى « 2 » وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ المائدة : 23 ] ، وعن إرادتك بفعل اللّه تعالى « 3 » ، فحينئذ يصلح « 4 » أن تكون وعاء لعلم اللّه تعالى « 5 » . فعلامة فنائك عن خلق اللّه تعالى : انقطاعك عنهم ، وعن التّردّد إليهم ، واليأس ممّا في أيديهم « 6 » .

--> ( 1 ) في المطبوع : ( بإذن ) . ( 2 ) في المطبوع : ( بأمره ) . ( 3 ) في المطبوع : ( بفعله ) . ( 4 ) في المطبوع : ( وحينئذ تصلح ) . ( 5 ) قال شيخ الإسلام في تعليقته على فتوح الغيب : فحكمه يتناول خلقه وأمره ، أي : افن عن عبادة الخلق والتوكل عليهم بعبادة اللّه ، والتوكل عليه ، فلا تطعهم في معصية اللّه تعالى ، ولا تتعلّق بهم في جلب منفعة ، ولا دفع مضرة . وأما الفناء عن الهوى بالأمر ، وعن الإرادة بالفعل ، بأن يكون فعله موافقا للأمر الشرعي لا لهواه ، وأن تكون إرادته لما يخلق تابعة لفعل اللّه لا لإرادة نفسه ، فالإرادة تارة تتعلّق بفعل نفسه ، وتارة بالمخلوقات . فالأول : يكون بالأمر ، والثاني : لا تكون له إرادة . ولا بد في هذا أن يقيد بأن لا تكون له إرادة لم يؤمر بها ، وإلا فإذا أمر بأن يريد من المقدورات شيئا دون شيء فليرد ما أمر بإرادته ، سواء كان موافقا للقدر ، أم لا . وهذا الموضع قد يغلط فيه طائفة من السّالكين . والغالب على الصادقين منهم أنهم لم يعرفوا الإرادة الشرعية في ذلك المعيّن ، وهم ليس لهم إرادة نفسانيّة ، فتركوا إرادتهم لغير المقدور . ( 6 ) قال شيخ الإسلام في تعليقته على فتوح الغيب : وهو كما قال ، فإذا كان القلب لا يرجوهم ، ولا يخافهم ، لم يتردّد إليهم لطلب شيء منهم ، وهذا يشبه [ في نسخة : يشتبه ] بما يكون مأمورا به من المشي إليهم لأمرهم ، بما أمر اللّه به ، ونهيهم عمّا نهاهم اللّه عنه ، كذهاب الرسل وأتباع الرسل إلى من يبلغون [ في نسخة : يبلغونه ] رسالات اللّه ، فإن التوكل إنّما يصحّ مع القيام بما أمر به العبد ليكون عابدا للّه متوكّلا عليه ، وإلا فمن توكل عليه ولم يفعل ما أمر به ، فقد يكون ما أضاعه من الأمر أولى به ممّا قام به من التوكل ، أو مثله ، أو دونه ، كما أن من قام بأمر ولم يتوكل عليه ولم يستعن به فلم يقم بالواجب ، بل قد يكون ما تركه من التوكل والاستعانة أولى به ممّا فعله من الأمر أو مثله أو دونه .